ابن الجوزي
79
القصاص والمذكرين
الأعمش الحلقة وجعل ينتف شعر إبطه . فقال له القاصّ : يا شيخ ألا تستحي ؟ نحن في علم وأنت تفعل هذا ؟ فقال الأعمش : الذي أنا فيه خير من الذي أنت فيه . قال : كيف ؟ . قال : لأني في سنّة وأنت في كذب . أنا الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئا ) « 1 » . وقد تعرّض بعض العلماء في عصور مختلفة إلى مضايقات هؤلاء القصّاص ، وقد تفاقم أمرهم وأثروا أثرا واضحا في نشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين العامة . وكان التصوف يمدّ القصّاص بالخرافات والأباطيل وكذلك فقد كانت الإسرائيليات مصدرا من مصادر القصاص . وممّا يؤسف له أن بعض هؤلاء القصاص كانوا يعبثون بالناس ويسخرون منهم كما ذكر الجاحظ عن أبي كعب القاصّ « 2 » وكما ذكر أبو الفرج عن كلثوم بن عمرو « 3 » ويبدو أنّ نفرا منهم كان يتدخّل في الشؤون العامة حتى كان بعضهم سببا في فتنة فمنعوا من الجلوس ومن الكلام ، ثم سمح لهم بمعاودة نشاطهم بعد أن أخذت عليهم العهود بعدم التعرض لما يثير القلاقل . وأمام هذه القوة العارمة للقصّاص آثر فريق من العلماء السلامة فسكتوا خوفا من القصّاص وإيثارا للعافية . . . بل حمل ذلك بعضهم على تأييد الباطل . . . وكانت ظاهرة المجاملة أكثر وضوحا في الأزمان المتأخرة ، حتى أصبحت مهمة العالم - مع الأسف - كأنها مقصورة على تلمس
--> ( 1 ) انظر « تحذير الخواص » 145 - 146 ( 2 ) انظر « الحيوان » 3 / 24 ( 3 ) انظر « الأغاني » 13 / 112 طبع دار الثقافة ببيروت و « مختار الأغاني » 9 / 244 طبع المكتب الاسلامي بدمشق